طه عبد الرحمن
15
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية
ينبغي أن تتجلى الأخلاقية في كل فعل من الأفعال التي يأتيها الإنسان ، مهما كان متغلغلا في التجريد ، بل تكون هذه الأفعال متساوية في نسبتها إلى هذه الأخلاقية ، حتى إنه لا فرق في ذلك بين فعل تأملي مجرد وفعل سلوكي مجسد . وإذا كان الالتباس أو الاختلاف لا يدخل على مفهوم " العقلانية " وحده ، بل يكاد أن يتطرق إلى أغلب معاني الفلسفة وحقائقها ، فلعله ليس في أبواب الفلسفة المعاصرة باب حملت مفاهيمه وأحكامه من مظاهر الاشتباه والاختلاط ما حمله " باب الأخلاقيات " ؛ فالغالب أن ما يكون قيمة خلقية في رأي بعض الفلاسفة قد يكون في رأي غيرهم قيمة غير خلقية كالطمع في الثواب والخوف من العقاب ؛ وأيضا ما يعدّه أحدهم صفة حسنة بإطلاق أو بتقييد ، يجوز أن يعدّه سواه صفة قبيحة بإطلاق أو بتقييد كما إذا قبّح أحدهم العنف على وجه الإطلاق واستحسنه الآخر على اعتبار أنه مظهر لتعبير الذات ؛ وكذلك ما يجمع بينه بعضهم قد يفرق بينه البعض الآخر كما إذا جمع أحدهم بين جانب الزنا والقمار وبين جانب الكذب والارتشاء وأبى سواه إلا أن يفرق بين الجانبين ؛ ثم إن ما يجعله هذا سلوكا خلقيا قاصرا على الفرد - أي متعلقا بإرادته وحدها وشؤونه الخاصة التي يحق له أن يقبّح منها ما شاء وأن يحسّن منها ما شاء - لا يبعد أن يجعله ذاك سلوكا خلقيا متعديا إلى المجتمع ، أي يكون مرجع الحكم فيه إلى سلطة جماعية خارجية كالحد من النسل والإجهاض والسفاح وكذا أنواع الشذوذ الجنسي . وحتى إذا اتفق الفلاسفة على أن الخلق موجود في فعل من الأفعال أو في شخص من الأشخاص ، فإنهم لا يتفقون على تعريف واحد يميّزه عن غيره ؛ فأحدهم يرى أن الخلق واقع موضوعي قائم في الفعل أو في الشخص ومستقل عن موقف - أو معتقد - الذات التي تحكم بوجوده « 1 » ، في حين أن الثاني يقرر أنه ليس للخلق من الواقع الموضوعي شيء ، وإنما هو مجرد حكم بصدد هذا الفعل أو هذا الشخص يعبّر عن موقف - أو معتقد - هذه الذات الحاكمة « 2 » ، هذا إن لم يذهب إلى أبعد من ذلك ، فيرى فيه مجرد تعبير عن رغبة ذاتية أو عاطفة شخصية « 3 » ؛ والثالث يقول بأن الخلق صفة موضوعية قائمة في الفعل أو الشخص تدركها الذات إدراكا
--> ( 1 ) يعرف هذا الاتجاه باسم " الواقعية الأخلاقية " : " msilaeR larOM " ( 2 ) يعرف هذا الاتجاه باسم " اللاأدرية " : " msivitingoc - noN " ( 3 ) يعرف هذا الاتجاه باسم " الوجدانية : " msivitomE "